محمد هادي معرفة
97
التمهيد في علوم القرآن
وهناك أمثلة من واقع الحياة وسجلّ الأطباع ، ولنبدأ بذكر إرث الجنين من الأب . بدأت أسرة بأكملها - وهي أسرة « جيوكسي » في نيويورك - برجل كانت مهنته صيد السمك ، وكان شرّيرا فاسد الأخلاق ، نزّاعا إلى الشرّ ميّالا إلى الاستهتار ، كما كان كسولا في عمله خاملا في مهنته ، وقد ولد في سنة 1720 م ورزق بخمس بنات فتزوّجن فأتين في ستة أنسال متعاقبة بحوالي 1200 شخص بما فيهم مائتان ضمّوا إلى هذه الأسرة برابطة الزواج ، وقد عرف تاريخ 540 منهم تمام المعرفة ، وعرف عن 500 آخرين جزء من تاريخهم ، فكانوا بين أشخاص التزموا مهنة التسوّل وعاشوا في ملاجئ الإحسان وبين رجال ونساء فاسدين ، وأكثر من نصف النساء عاهرات ، وبعضهم حذق أساليب الإجرام ، وتفنّن في الاحتيال والنهب والسرقة والقتل . ولم يعثر في سجلّ هذه الأسرة من بداية تاريخها على واحد قد تعلّم في مدرسة أو تخرّج في جامعة ، ولكن وجد فيها عشرون شخصا قد تعلّموا صناعات مختلفة ، ولكن أين تعلّموها ؟ لقد تعلّموها بين جدران السجون ، وسبب هذا النسل الفاسد كلّه ليس إلّا رجلا واحدا فاسدا ، قد لقّحت نطفته الفاسدة المرأة ، فنقلت إلى بويضتها الفساد فورث البنات والبنين الشرّ . هذا مثل طبّي أوردته كتب الطبّ ، وأثبتت كيف نشأ النسل فاسدا كأبيه ، وقد سبقه القرآن الكريم فقال : فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَها تَحْمِلُهُ قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا * يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا « 1 » . إنّ إدمان الخمور هو مرض عائلات بأسرها ، وإنّ عدواه لتنقل إلى الذريّة بالتوريث ثمّ بالتقليد ، فإنّ مرض الخمور أسوأ مرض للذريّة يقتدونه . ثمّ إنّ المخ يتأثّر بالخمور ، فيصبح مدمنها ضعيف العقل لا يبرم أمرا ولا يعي شيئا .
--> ( 1 ) مريم : 27 و 28 .